المحكمة العليا

القضاة :

سعادة السيد مهدي محمد أحمد       قاضي المحكمة العليا    رئيساً

سعادة السيد حسن محمود بابكر     قاضي المحكمة العليا    عضواً

سعادة السيد هنري رياض سكلا     قاضي المحكمة العليا    عضواً

الأطراف :

علي محمد أحمد أبو إدريس                              الطاعن

ضد

أحمد محمد علي وآخر                                   المطعون ضده

م ع / ط م/98/1975م

 

قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين لسنة 1948 – انتهاء عقد العمل بوفاة المخدم مع استمرار المستخدم في العمل – آثاره المادة 12 .

عندما ينتهي عقد عمل نهاية غير عادية بالوفاة وفقاً للمادة 12 ثم يستمر الخلف العام الذي آلت إليه حقوق والتزامات بما فيها حقوق المستخدم المستحقة بوفاة مورثه في استخدام ذات المستخدم في ذات العمل وبدون انقطاع ودون أداء الفوائد المستحقة قبل الوفاة ودون إنكار صريح أو ضمني لاستحقاقية المستخدم لها في مواجهتهم وهم الذين آلت إليهم تلك الأموال مثقلة بذلك الحق ، عندما يتحقق كل ذلك فإنه عدالة وفي ظل القانون يجب أن يقضى بنشؤ عقد ضمني يضيف تلك الفوائد للعقد الجديد ويلحقها به ما بقي قائماً ومعلقاً اقتضاؤها على نهاية العقد الجديد.

رأي عابر :

أن الحكم الشرطي للمادة التاسعة من قانون التملك بمرور الزمن وتقادم الدعاوى يقضى بتجديد الالتزام إذا أقر الملتزم في أي وقت بالالتزام شفاهة أو كتابة أو بالوفاء الجزئي له وفي نطاق ومن تاريخ ذلك الإقرار. ([1])

المحامـــون :

أحمد سليمان دفع السيد                     عن المطعون ضده

الحكـــم

25/8/1975م :

هذا طعن بالنقض مقدم لهذه المحكمة وفقاً للمادة 207 من قانون الإجراءات المدنية ضد الحكم الصادر من محكمة استئناف الجزيرة والنيلين في يوم 12/3/1975م في استئنافها المدني رقم 11 لعام 1975م والذي قضى بشطب استئناف الطاعن المقدم لها إيجازياً ومن ثم جاء مؤيداً للحكم الابتدائي الصادر من محكمة الحصاحيصا الجزئية (قاضي جزئي من الدرجة الأولى) في يوم 6/1/1975م في دعواها المدنية رقم 161/1974م.

تتلخص الوقائع في أن الطاعن أقام هذه الدعوى المدنية أمام المحكمة الجزئية في يوم 9/9/1974م ضد المدعى عليه الأول أحمد محمد علي مطالباً فيها باسترداد مبلغ 540 جنيهاً عبارة عن فوائد ما بعد الخدمة بما في ذلك الإنذار وبدل الاجازات المستحقة له تحت عقد عمل شفوي مع مخدم بدأ منذ يـوم 13/3/1950 وانقضى في يوم 7/7/1974م مسحوبة وفقاً لأحكام قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين لعام 1949م (تعديل عام 1969م وعام 1973).

في يوم 10/11/1974 ظهر المدعي بشخصه أمام المحكمة وظهر عن المدعى عليه محاميه أحمد سليمان. يومها طلب محامي المدعى عليه تفاصيل مـن نقاط ثلاثة قدمها شفاهة وتم الرد عليها شفاهة كذلك. واتضح من ذلك أن المدعي التحق في يوم 13/3/1950 بخدمة المرحوم محمد الحسن علي – عم المدعى عليه الأول الذي توفى حوالي عام 1969م وأن المدعى عليه الأول تسلم إدارة الطاحونة بعد وفاة عمه المرحوم محمد الحسن علي.

بعد ذلك رد المدعى عليه على المدعي. وملخص ذلك أن المدعى عليه يقر بأن المدعي عمل معه منذ عام 1969م حتى يوم 7/7/1974م بمرتب شهـري قدره عشرون جنيهاً. ويقر بأن المدعي عمل فعلاً خلال المدة منذ 13/3/1950 حتى عام 1969 مع المرحوم محمد الحسن علي – عم المدعى عليه. ويضيـف بأن عقد العمل عن تلك الفترة الأولى قد انقضى بوفاة محمد الحسن علي تطبيقـاً للمادة 12 من قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين ويقر المدعى عليه أنه تسلم إدارة الطاحونة بعد وفاة عمه محمد الحسن علي كمدير لها نيابة عن الخلف العام لمحمد الحسن وهم ورثته. وبعد ذلك طلب المدعى عليه شطب الدعوى في نطاق استحقاق مدة الخدمة الأولى بسبب سقوطها بالتقادم لمرور سنة على وفاة المرحوم محمد الحسن دون المطالبة بها. وفي التعقيب أصر المدعي على دعواه وأوضح عدم وجود عقد عمل مكتوب بينه وبين المرحوم محمد الحسن. وفي النهاية طلب المدعي عليه الفصل أولاً في دفعه بسقوط الحق بالتقادم في مواجهة ورثة محمد الحسن علي ، مع قبوله بصدور حكم ضده بالفوائد عن الفترة منذ عام 1969م حتى عام 1974م. وفي نفس اليوم فصلت المحكمة في دفع التقادم قاضية بشطبه معلنة حق المدعي في المطالبة بحقوقه عن الفترة السابقة لوفاة محمد الحسن. وقررت ضـم ورثة محمد الحسن علي كمدعىً عليه ثاني وأمرت بالسير في سماع الدعوى.

وفي جلسة يوم 30/11/1974م قدم المدعى عليهم عن طريق محاميهـم مرة أخرى دفعاً بسقوط الحق بالتقادم في ما يتعلق بالفترة التي عمل فيها المدعى مع المرحوم محمد الحسن علي. وفي جلسة يوم 6/1/1975م أعلنت المحكمـة قرارها في الدفع بالتقادم حيث قضت بقبوله ومن ثم شطب الدعوى فيما يتعلق بالحقوق الناشئة عن عقد العمل مع محمد الحسن منذ عام 1950 وحتى وفاته في عام 1969م وفي نفس اليوم أصدرت حكماً رضائياً ضد المدعى عليه الأول بأن يدفع للمدعى مبلغ 133.333 مليمجـ عبارة عن استحقاقه عن فوائد ما بعد الخدمة عن الفترة منذ عام 1969م حتى يوم 12/3/1975م شطب محكمة استئناف الجزيرة والنيلين إيجازياً استئنافاً تقدم به لها الطاعن ضد ذلك الحكم. ومن ثم كان طلب الطعن بالنقض الحالي.

وتتلخص أسباب الطعن المقدمة لنا في النقاط الرئيسية الآتية :

1-  أن الحكم المطعون فيه وذلك الابتدائي المؤيد به قد خالفا القانون من ناحية الإجراءات وذلك عندما رفضت المحكمة الجزئية الدفع بالتقادم أولاً ثم عادت عند تقديمه لها مرة ثانية في الجلسة التالية مباشرة وقبلته إذ هذا تجاوز لسلطاتها لأنها لا تملك صلاحية ذلك. وأن الحكم المطعون فيه أخطأ في القانون عندما قرر أن ذلك خطأ إجرائي لم يؤثر في سلامة الحكم إذ أنه أثر في سلامته بأن جعل الأمر يختلط على الطاعن وأدى بالمحكمة الجزئية أن تقضي في الأمر بعجلة دون سماع بينات.

2-  أن الدعوى أقيمت على أساس أن عقد الخدمة بدأ منذ عام 1950 واستمر دون انقطاع حتى عام 1974م وأن وفاة محمد الحسن لا تعني بالضرورة انقضاء العقد إذ ذلك يتوقف على ظروف المعاملة والعلاقة ، وهي وقائع حرمت المحكمة الجزئية الطاعن من حقه في توضحيها.

3-  لقد خالفت محكمة الموضوع القانون عندما سمحت للمدعى عليه بتوجيه تلك الأسئلة للمدعي إذ أنها لم تكن طلب تفاصيل وفقاً للقانون إنما كانت استجواباً حصل في غير موضعه ووقته.

وفي الختام يطلب منا الطاعن إلغاء الحكمين المطعون فيهما للخطأ في تطبيق القانون.

رد المطعون ضدهم على الطعن على النحو التالي :-

1-  أن شطب الدفع بالتقادم في المرحلة الأولى كان باعتباره سابقاً لأوانه. وبعد ضم ورثة محمد الحسن علي كمدعى عليه للدعوى فإن الدفع في مكانه ومن ثم قبل. لا يوجد خطأ إجرائي في ذلك كما يدعي الطاعن إذ الدفع الأول تقدم به المدعى عليه الأول بينما تقدم بالدفع الثاني المدعى عليه الثاني. وبما أن لكل مدعى عليه الحق في أن يتقدم بالدفوع التي يريد فلم يقع أي خطأ إجرائي في ما حصل على نحو ما يدعي الطاعن لو كانوا جميعاً ممثلين بمحامٍ واحد.

2 - إن للخصوم الحرية التامة في تقديم دعواهم ودفوعهم بالصورة التي يرونها ولا يجوز للمحاكم أن تتدخل أو توجه بتعديل الوقائع التي عرضها الخصوم ويضيف أن عريضة الدعوى قد اشتملت على حذف لمعلومات هامة ، وقد طلبنا إيضاح ذلك عن طريق طلب تفاصيل وفي الختام يطلب منا المطعون ضده شطب الطعن.

عن الطعن بالسبب الأخير وهو الأيسر وعلى ضوء الرد عليه فإننا نقول أن عريضة الدعوى قد شابها فعلاً قصور بصدد وقائع منتجة كما اتضح في ما بعد. ولذلك فإن ما حصل في الجلسة المحددة لسماع رد المدعى عليه على الدعوى إنما هو بالدقة طلب تفاصيل إيضاحية لما ورد في العريضة حتى يمكن الرد عليها وليس استجواباً لشاهد وهي بهذا الوصف مسموح بها وفقاً للقواعد التي تحكم المرافعات الأولية سواء جاءت كتابة أم شفاهة.

إن الطعن بالسبب الأول هو في حقيقته وجوهره ادعاء بحجية الأمر المقضي فيه مقتضاه عدم جواز النظر في الأمر لسبق الفصل فيه وفق أحكام المادة 29/أ من قانون الإجراءات المدنية.

وبسبب الطعن الثاني والجوهري هو المتعلق بسقوط الحق في الفوائد قبل الوفاة وعلى ضوء المادة 12 من قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين وقانون التملك بمرور الزمن وتقادم الدعاوى مطبقة في ظل سائر الظروف والوقائع الواضحة والثابتة مع أعمال قواعد التفسير لمحاولة الوصول إلى حكم عادل في ظل القانون إذ هذا واجب مبدئي يقع على أكتافنا ما ساعدنا القانون على ذلك. حقيقة أننا لا نطبق عدالة مجردة في الهواء منعزلة عن القانون. إننا نطبق العدالة في ظل القانون. وإذا ما بدأ لنا – كما هو الحال تماماً في مثل الحالة المعروضة أمامنا بهذا الطلب – إن ظاهر النصوص يصل بنا تطبيقها الحرفي إلى عدم عدالة واضحة فإننا نسعى عن طريق الوسائل المتاحة لنا في قواعد التفسير إلى إزالتها وإحقاق العدالة الكامنة في روح التشريع إذا مكنتنا من الوصول إلى ذلك هذه الوسائل في نطاق القانون الذي يفترض فيه الاهتداء بالقانون الطبيعي الذي يقوم على قواعد العدالة التي يقررها العقل والوجدان السليم ، إذ يمتنع عليها عند توافر دواعي التفسير أن ننسب إلى المشرع القصد إلى تحقيق عدم العدالة ما لم يعبر عن نفسه في هذا الصدد بطريقة واضحة وصريحة ولا مجال معها لأي تفسير. عند ذلك فقط نقف عند حكم الظاهر ولا نتجاوزه لأننا إذا تجاوزناه فإنما نتعدى اختصاصنا الدستوري ونعتدي على الاختصاص الدستوري للسلطة التشريعية. ومدخلنا إلى ذلك وفق هذه المبادئ فـي هذه المنازعة التي يؤدى تطبيق حرفية النصوص فيها إلى عدم عدالة تجاه عامل في مواجهة مخدم له أمران.

أولهما البحث ، وفق سائر الظروف والملابسات والوقائع المتعلقة بمسار هذه المسألة في نشوء أو عدم نشوء شرط ضمني في العقد الجديد بصدد حقوق العقد السابق يترتب على نشوئه عدم سريان قانون التقادم أصلاً على تلك الحقوق السابقة أو يترتب على العكس إذا لم ينشأ مثل هذا الشرط الضمني. وثانيهما ، إذا لم ينشأ مثل ذلك الشرط وسرى قانون التقادم منذ وقت الوفاة – البحث في ما إذا كان هناك إقرار ضمني بذلك الحق يحدده ويمنع سريان المدة بصدده طالما كان ذلك السبب قائماً وذلك وفقاً للحكم الشرطي الوارد في المادة التاسعة من قانون التملك بمرور الزمن وتقادم الدعاوى. فإذا أمكننا باستخدام وسائل التفسير وفق الظـروف والملابسات المحيطة الوصول إلى توافر هذين الأمرين أو أحدهما فإننا نكون قد حققنا العدالة في ظل القانون بتجاوز مظهره إلى مخبره وروحه. وإذا لم نستطيع – وهذا هو الاستثناء إذ الأصل أن نسعى كي نصل – فإننا نقف عند حدنا الدستوري كي لا نسلب اختصاص المشرع.

لا يوجد في عقد خدمة الطاعن مع المرحوم محمد الحسن علي أي شرط صريح يقضى باستمرار عقد الخدمة بعد وفاة المخدم. ومن ثم فبوفاة محمد الحسن في عام 1969 ترتب المادة 12 من قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين أثرين قانونيين بالإضافة إلى أثر آخر يرتبه القانون الشخصي الذي يحكم الخلافة في الأموال بسبب الوفاة. الأثر الأول الذي ترتبه المادة 12 على الوفاة هو انقضاء عقد الخدمة انقضاء غير عادي حسب نص هذه المادة بسبب واقعة الوفاة ومن وقتها ومن ثم ينشأ الحق والالتزام بفوائد ما بعد الخدمة التي يرتبها هذا القانون. والأثر الثاني هو ما ورد في الحكم الشرطي للمادة ومقتضاه استحقاق المستخدم باقتضاء والتزام خلف المخدم العام وهو ورثته بأداء سائر فوائد العقد في نهايته تلك وفق القانون بما في ذلك حق الإنذار المنصوص عليه في المادة العاشرة منه كما لو أن العقد قد انقضى بطريقة عادية.

وفق القانون الشخصي فإن سائر الحقوق والالتزامات المالية للمرحوم محمد الحسن تنتقل إلى ورثته الشرعيين (المدعى عليهم) الذي يصبحون ملاكاً لها يتصرفون فيها تصرف المالك ويؤدون الالتزامات الواقعة عليها في حدود ما آل لهم منها ، وبعد وفاة محمد الحسن وانتقال حقوقه لورثته فإنه يقع على عاتقهـم أداء الفوائد المستحقة قانوناً للطاعن من تلك الأموال التي آلت إليهم بالخلافة العامة مثقلة بذلك الالتزام. أنهم – الورثاء – هم الذين يقومون بالأداء بما في ذلك توجيه الإنذار أو دفع بدله وفقاً للقانون. ما جرى هو أنه لا المستخدم ولا ورثاء المخدم الذين آلت لهم بالخلافة العامة أموال مورثهم ملكاً لهم ومثقلة بحق المستخدم في الفوائد والتي يلتزمون قانوناً بأدائها له لم يتحدثوا عنها لا صراحة ولا ضمناً. لم تحصل تسوية لها ولا إنكار ولا ادعاء بعدم التزامهم بأدائها لا صراحة ولا ضمناً.

    ما حصل مباشرة هو استمرار المستخدم وبدون أي انقطاع في ذات العمل السابق وبنفس شروطه مع الخلف العام لمحمد الحسن وهم ورثته المدعى عليهم وذلك حتى انتهائه في يوم 7/7/1974م. صحيح وفق صريح حكم المادة 12 أن ما حصل مع الورثاء عقب الوفاة هو عقد خدمة جديد معهم وأن كان واقعاً هو استمرار لذات عقد العمل السابق مع مورثهم. فهل في ظل مسار الأحداث هذا وفي تصرفات وسلوك الفريقين عقب الوفاة ما يمكن أن يستخلص منه استخلاصاً سائغاً نشوء شرط ضمني قبله الطرفان ضمناً في عقد الخدمة الجديد مقتضاه أن تضاف فوائد ما بعد الخدمة للمستخدم المستحقة عن العقد السابق إلى العقد الجديد يؤجل أداؤها ما بقي العقد الجديد قائماً وتؤدى عند نهايته مع رصيفتها التي تستجد وفقه؟

إن القاعدة العامة في قانون العقد الذي يحكم الواقعة في عام 1969 أن الشروط الضمنية في العقد يمكن أن تنشأ من استقراء قصد المتعاقدين أو سلوكهما أو طبيعة التعامل بينهما أو أي ظرف آخر يقود إلى نشوئها على سبيل الاقتضاء شريطة أن لا تستنتج في مخالفة لشرط صريح في العقد. وهذا المبدأ القانوني السائد وقتها هو ما أقره المشرع السوداني لاحقاً في المادة 50 من قانون العقود لعام 1974م. (أن وجود العقد بأكمله في حالات كثيرة إنما يستنتج فقط من سلوك أطرافه) قانون العقد لمؤلفيه جيشير وفيفوت ، الطبعة الثامنة صفحة رقم 53 ويتحدث نفس هذا المصدر على صفحاته من رقم 141 حتى رقم 167 عن الشروط الضمنية التي تنشأ في العقد. ومقتضى ذلك أن هذه الشروط الضمنية في العقد سواء نشأت بحكم العادة أو باستقراء من نصوص قانون بعينه أو بحكم ممارسة المحاكم إنما يجمعها ضابط عام يمكن تلخيصه في أن الشرط الضمني ينشأ في العقد في المواطن التي صممت فيها العقد متى كان قيام ذلك الشرط لازماً على سبيل الاقتضاء وفق سائر الظروف الأخرى من سلوك الأطراف أو قصد مقترض لهما بحكم القانون أو المنطق أو العادة أو المجرى العادي للأمور في مثل تلك الحالة المعنية.

وفي هذا الشأن يقول الدكتور عبد الرازق السنهوري في كتابه (الوسيط) نظرية الالتزام بوجه عام (الطبعة الثانية على صفحة رقم 189. ويكون التعبير عن الإرادة ضمنياً إذا كان المظهر الذي اتخذه ليس في ذاته موضوعاً للكشف عن الإرادة ولكنه مع ذلك لا يمكن تفسيره دون أن يفترض وجود هذه الإرادة مثل ذلك أن يتصرف شخص في شئ ليس له ولكن عرض عليه أن يشتريه فذلك دليل على أنه قبل الشراء إذ يتصرف تصرف المالك... الخ).

وعلى ضوء كل ذلك ووفق وقائع هذه المنازعة السالف استعراضها وسلوك الطاعن عند انتهاء العقد في عام 1974م بشكوى مخدمه الأخير لاسترداد حقه منذ عام 1950 على فهم واضح لديه أن الخدمة واحدة دون أن تتأثر بوفاة محمد الحسن في عام 1969م ، فإننا نستخلص استخلاصاً سائغاً من تلك الوقائع في إشارتها ودلالتها وبحكم اقتضاءها أن شرطاً ضمنياً قد نشأ في عقد عام 1969م بين الطاعن والمطعون ضدهم مقتضاه أن تضاف فوائد ما بعد الخدمة المستحقة عن العقد السابق إلى العقد الأخير وتلحق به على أن يؤجل أداؤها ما بقي العقد الجديد قائماً ، وتقتضي عند انتهائه مع تلك التي تستنجد وفقه. عندما ينتهي عقد عمل نهاية غير عادية بالوفاة وفقاً للمادة 12 ثم يستمر الخلف العام الذي آلت إليه حقوق والتزامات بما فيها حقوق المستخدم المستحقة بوفاة مورثه في استخدام ذات المستخدم في ذات العمل وبدون انقطاع ودون أداء الفوائد المستحقة قبل الوفاة ودون إنكار صريح أو ضمني لاستحقاقية المستخدم لها في مواجهتهم وهم الذين آلت لهم تلك الأموال مثقلة بذلك الحق ، نقول عندما يتحقق كل ذلك فإننا عدالة وفي ظل القانون نقض بنشوء عقد ضمني يضيف تلك الفوائد للعقد الجديد ويلحقها به ما بقي قائماً ومعلقاً اقتضاءها على نهاية العقد الجديد. ومن ثم فإن تلك الفوائد السالفة لا يسري عليها قانون التقادم مطلقاً وأصلاً لما ظل العقد الجديد ساري المفعول إذ مقتضى الشرط الضمني هذا هو أن حق التقاضي بشأنها لا ينشأ إلا عند انقضاء العقد الجديد ومن تاريخه حيث من هنا وليس قبله تبدأ سريان التقادم وفقاً لحكم المادة الثامنة من قانون التملك بمرور الزمن وتقادم الدعاوى. لما سلف بيانه فإننا نقرر أن قانون تقادم الدعاوى لا يسري على حقوق الطاعن المستحقة له تحت عقد خدمته مع المرحوم محمد الحسن منذ عام 1950 وحتى وفاة محمد الحسن في عام 1969 ، ومـن ثم يلتزم الورثاء المطعون ضدهم بأدائها في حدود الأموال التي آلت لهم من مورثهم وفق حكم القانون في هذا الشأن.

وهذا النظر ينهي الفصل في هذا الطعن بموضوعه المقدم به. ولكننا لاستكمال الصورة نتعرض لنظرية تحديد الالتزام وفق الحكم الشرطي الوارد في المادة التاسعة من قانون التملك بمرور الزمن وتقادم الدعاوى. لنفترض جدلاً على سبيل المناقشة الصرفة أن تلك الوقائع والظروف السالف بيانها لا تقبل أن يستخلص منها نشوء شرط في العقد الجديد على نحو ما سلف بيانه ، فهل تقبل أن يفهم منها حصول إقرار بالحق يجدده وفق المادة التاسعة من القانون؟

إن الحكم الشرطي للمادة التاسعة هذه يقضي بتجديد الالتزام إذا أقر الملتزم في أي وقت بالالتزام شفاهة أو كتابة أو بالوفاء الجزئي له وفي نطاق ومن تاريخ ذلك الإقرار.

في قضية عبد الله محمد عبد الله وآخرين ضد ورثة عوض الكريم عبد الله (المجلة القانونية لعام 1963م صفحة 148 إلى 150) عرضت مسألة تجديد الالتزام أمام محكمة المديرية الشمالية في إعادة نظرها رقم 89 لعام 1956م. في تلك القضية تم بين الطرفين اتفاق لتحويل حق الإيجارة في حواشتين بمقابل وسجل العقد في محرر. لم يتسلم المشتري الحيازة إلا بعد فترة زمنية من إبرام العقد. وعند قيام المنازعة ورفع الدعوى كان العقد قد انقضى بالتقادم لمضي أكثر من عشرة سنوات على إبرامه. وفي نفس الوقت لم تكتمل مدة العشرة سنوات اللازمة لاكتساب الحق بوضع اليد. وقد قضت محكمة المديرية بتنفيذ العقد تنفيذا عينياً لأن الحق فيه قد تجدد بالإقرار به المتمثل في الحيازة ومن وقتها وطيلة قيامها. وفي هذا الصدد قالت محكمة المديرية في حكمها ذاك على صفحة 150 من المجلة ما يلي :-

(وفقاً للمادة التاسعة من قانون التملك بمرور الزمن وتقادم الدعاوى فإن حق التقاضي يتجدد إذا حصل إقرار بالالتزام شفاهة أو كتابة).

وفي حالة عدم وجود مثل ذلك الإقرار فإن تفسيراً موسعاً يمكن أن يؤدي بي إلى القول بأن الحيازة العارضة لأية مدة خلال مدة التقادم وفي وجود الطرف الآخر وبعلمه بطبيعة تلك الحيازة إنما يشكل إقراراً يحدد حق التقاضي الناشئ عن ذلك العقد ونفس هذا المبدأ توصلت إليه محكمة الاستئناف القديمة بصدد أرض سكنية بالخرطوم بحري في إعادة نظرها رقم 345/ 1960 المسجل في المجلة القانونية لعام 1964م على الصفحات من رقم 127 إلى رقم 131. في هذه القضية تقرر أن الحيازة خلال مدة التقادم تجدد حق التقاضي بوصفها إقراراً ضمنياً للالتزام الذي سرت عليه مدة التقادم.

إن الحكم الشرطي للمادة التاسعة من القانون قد حدد صور الإقرار بالالتزام الذي يتم وفقاً له تجديده. وهو أن يكون شفاهة أو كتابة . ونضيف أن هذا هو الإقرار الصحيح. ومن ثم وبغياب عبارة في النص عن ذلك على سبيل الحصر فإننـا نستطيع القياس بأعمال قاعدة التفسير بمفهوم الموافقة بأن نضيف إلى ذلك أية حالة إقرار صريح أخرى كحالة من يومئ برأسه إلى أسفل عندما يسأل عن مديونيته لشخص معين. والصورة الأخيرة هي صورة الوفاء الجزئي. ونضيف أن هذه هي حالة الإقرار الضمني. وعلى نفس الأساس السالف بيانه في حالة الإقرار الصريح نضيف أنه يمكننا القياس عليها بإضافة أية حالة أخرى تشكل إقراراً ضمنياً واضح الدلالة في معناه كإقرار وبما أن المادة التاسعة لم تتضمن صراحة قولاً عن الإقرار الضمني فلعل ما ذهبنا له هنا هو الذي يفسر ويبرر حكم تلك السابقتين المشار لهما في هذا الحكم في استنادهما على الإقرار الضمني كمجدد للالتزام.

وبناء على هذا التفسير للمادة التاسعة وعلى هدى تلك السابقتين فإننا نقول أيضاً أن تلك الوقائع والظروف الثابتة والواضحة في هذه المنازعة إنما تعني تجديداً للالتزام ذلك أن الورثاء باستمرارهم استخدام العامل معهم في ذات العمل ودون انقطاع عقب وفاة والدهم ودون أداء حقوقه من تلك الأموال التي آلت لهم وهذا واجبهم ودون أن يقوموا بتسوية لها وإنكار صريح وضمني نقول أن كل ذلك من جانبهم إنما يشكل إقراراً ضميناً بالحق عن الفوائد السابقة يحدد حق المطالبة بهما ويستمر من ذلك التاريخ وقاطعاً لسريان مدة التقادم ما ظل العقد الجديد ساري المفعول. ومن ثم فإن قانون التقادم وإن سرى فإن حق التقاضي بصدد ذلك الحق إنما تجدد بإقرار ضمني من جانب الورثاء بسلوكهم السالف وتوضيحه في عام 1969م عقب وفاة مورثهم.

لكل ذلك من أسباب فإننا نرى أن الطعن في الحكمين المطعون فيهما وفي تأويله إنما هو طعن سديد وصائب.

وهذا وحده يكفي لنقض الحكمين المطعون فيهما دون حاجة لمناقشة سبب الطعن الأول المتعلق بحجية الأمر المقضي به.

لكل ذلك من أسباب فإننا نقرر إلغاء الحكمين المطعون فيهما ونقضي بإعادة الدعوى لمحكمة أول درجة للسير في الدعوى ضد ورثة محمد الحسن علي وحدهم على هدي هذا الحكم. ونأمر بأن يدفع المطعون ضدهم للطاعن مبلغ خمسـة وعشرون جنيهاً رسوم هذا الطعن. 

 

 



/ ( 1975) مجلة الاحكام القضائية السودانية – صفحة 100[1]