المحكمة  العليا

 القضاة :

سعادة السيد/ عبيد حاج علي                    قاضي المحكمة العليا    رئيساً

سعادة السيد / محمد محمود أبو قصيصة         قاضي المحكمة العليا    عضواً

سعادة السيد / الطاهر أحمد الطاهر              قاضي المحكمة العليا    عضواً

سعادة السيد / تاج السر محمد حامد              قاضي المحكمة العليا    عضواً

سعادة السيد /تاج السر بابكر سعيد              قاضي المحكمة العليا    عضواً

الأطراف:

حكومة السودان ( وزارة الزراعة  - مشروع تنمية

                           جنوب كردفان الزراعي )        الطاعن

ضد

انتصار النور محمد                                        مطعـون ضدها

م ع / ط م/ 570/1996م

مراجعة /220/1996م

قانون علاقات العمل الفردية لسنة 1981م  -  الفئات المستثناة من تطبيق نصوصه  -  المادة  4 (ب) .

المبدأ:

إن المادة 4(ب) من قانون علاقات العمل الفردية لا تستثني العاملين بالحكومة والمؤسسات العامة ، علي وجه الإطلاق ، من تطبيق قانون علاقات العمل الفردية. فالاستثناء يضم قطاعاً كبيراً من موظفي الحكومة والمؤسسات العامة ولكنه لا يشمل كل شخص يعمل في خدمة الحكومة والمؤسسات العامة . فعقد العمل هو الذي يوضح شروط الخدمة . فإذا أبرم العقد تحت نصوص قانون الخدمة العامة فإن القانون الذي يحكمه هو قانون الخدمة العامة واللوائح الصادرة بموجبه . وإذا أبرم تحت قانون علاقات العمل الفردية فإن هذا القانون هو الذي يحكم النزاع بين طرفيه.([1])

 

الحكـــــم:

 في 9 /3/ 1996م تقدمت المدعية بالدعوى رقم 44/1996م أمام محكمة العمل بالخرطوم وقد طالبت فيها بحقوقها أثر فصل المدعي عليها إياها من العمل .

في 19/3/ 1996م " أصدرت المحكمة حكماً غيابياً علي المدعي عليها التي تخلت مرتين عن الحضور بعد إعلانها " في 11/4/1996م قدم رئيس الإدارة القانونية بوزارة الزراعة والموارد الطبيعية طلباً لإلغاء الحكم الغيابي . وفي 20 /4/ 1996م الغي الحكم الغيابي . وقدمت المدعية دعواها المعدلة بوساطة محام هذه المرة .

قدم رئيس الإدارة القانونية -  من النائب العام -  دفوعه علي الدعوى . ثم قدم محامي المدعية تعقيبه . وحددت نقاط النزاع واستمعت المحكمة إلي قضيتي الإدعاء والدفاع . وأصدرت المحكمة حكمها للمدعية ،  وفق نصوص قانون علاقات العمل الفردية ،  بالتعويض عن الفصل وبحقوق ما بعد الخدمة وبدل الإجازات وأجملت ذلك في مبلغ 1.680.500 ( مليون وستمائة وثمانين ألف وخمسمائة جنيهاً ) .

استأنفت المدعي عليها إلي محكمة استئناف ( ا س م/1238/96 التي رفضت استئنافها . ورأت محكمة الاستئناف أن ليس للمدعي عليها أن تتخذ إجراءات من جانبها دون الرجوع إلي مكتب العمل للحصول علي موافقته لإنهاء التعاقد مع المدعية .

رفعت المدعي عليها الطعن رقم 570/96 أمام المحكمة العليا . وقدمت الأسباب الآتية :

1 -  أن المدعي عليها مؤسسة حكومية ويعتبر الموظفون بها موظفين عموميين لا ينطبق عليهم قانون علاقات العمل الفردية لسنة 1981 وفقاً لنص المادة 4(ب) منه .

2  -  رفعت الدعوى أمام محكمة العمل دون إخطار النائب العام خلافاً لما نصت عليه المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية .

3  -  لا تختص محكمة العمل بهذه الدعوى .

ورفضت المحكمة العليا طعن المدعي عليها . ورأت المحكمة العليا أن المدعية لا تعمل بالحكومة ولا بأي مؤسسة عامة مثل مؤسسة جبال النوبة . كما رأت أن مشروع التنمية الزراعية لجنوب كردفان لا يتبع لوزارة الزراعة ، وإلا لطبقت علي العاملين قوانين ولوائح الخدمة العامة . ورجعت المحكمة إلي العقد المبرم  بين الطرفين وهو يحوي الشروط التي يحويها قانون علاقات العمل الفردية . وقد نص العقد علي عرض الأمر علي مكتب العمل في حالة إنهاء العقد . ورأت المحكمة أن في فصل المدعية دون الرجوع إلي مكتب العمل إخلال بالعقد يكفي للحكم للمدعية بطلباتها . ولا تري المحكمة حاجة لإنذار النائب العام بموجب المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983 في هذه الحالة .

تقدمت المدعي عليها ، عن طريق مدير مشروع التنمية الزراعية لجنوب وغرب كردفان ، بطلب لمراجعة حكم المحكمة العليا . ويقول في طلبه أن هذا المشروع مشروع حكومي وقد نشأ نتيجة لاتفاقية القرض الموقعة بين حكومة السودان وبنك التنمية الأفريقي . وهو يري أنه لا يقدح في هوية هذا المشروع أنه أسس علاقاته القانونية مع العاملين به علي أساس عقود عمل فردية . ويشرح أسباب ذلك في أن اتفاقية القرض  الموقعة بين حكومة السودان وبنك التنمية الأفريقي تنص علي إبرام عقود عمل فردية . ويوضح مندوب المدعي عليها أن وصف المشروع بأنه جهة غير حكومية يرتب أثاراً بالغة الخطورة علي مستقبل هذا المشروع ، تجاه الغير وتجاه جهة القرض .

ثم ألحقت وزارة العدل هذا الطلب بطلب آخر نعتبره جزءًً من  أسباب المراجعة . وجاء في الطلب المقدم من وزارة العدل أن تحويل المشروع بقرار من المحكمة العليا إلي قطاع خاص يخالف نصوص الاتفاق مع بنك التنمية الأفريقي . وتهتم وزارة العدل بأن تبرز أن هذا الوضع يضر بمركز المشروع لدي الجهات التي يدخل في التزامات قانونية معها وهي علاقات تؤسس علي أن المشروع تابع للحكومة . وأقل هذه الأضرار هو عدم استفادة المشروع من أحكام المادة 231 من  قانون الإجراءات المدنية ( التنفيذ في مواجهة الحكومة ) .

وتري وزارة العدل أن العمل بموجب عقود صادرة وفق قانون علاقات العمل الفردية لا يغير من تبعية المشروع لحكومة السودان . ولا يمنع الحكومة شئ من أن تكون صاحب العمل وفق نصوص قانون علاقات العمل الفردية . وتطلب وزارة العدل إصدار قرار بأن المشروع يتبع لحكومة السودان .

وتطلب وزارة العدل شطب الدعوى بسبب أن المدعي عليها وهي جهة حكومية لم تعلن بموجب المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية .

رد محامي المدعية علي طلب المراجعة . وملخص رده هو أن مساهمة الحكومة في المشروع لا تكسب العاملين به التبعية لقوانين الخدمة العامة . ولما كانت علاقة الطرفين محكومة بعقد عمل فردي فإن القانون المنطبق هو قانون علاقات العمل الفردية ولا يحتاج الأمر في نظر المدعية إلي إنذار النائب العام بموجب  المادة 33(4) .

الثابت أن المدعية كانت تعمل مع المدعي عليها كفني لاسلكـــــي بموجب عقد مكتوب . . هذا العقد هو مستند إدعاء (2) . وقد نصت المواد 7- 8-  9 منه بالرجوع إلي مكتب العمل في حالة إنهاء العقد للظروف الاقتصادية أو لسوء السلوك والغياب ،العصيان أو للاعتداء علي الرؤساء ورفض تنفيذ الأوامر والإخلال بالأمانة والشرف . والرجوع إلى مكتب العمل عند انتهاء الخدمة في هذه الأحوال هو من متطلبات قانون علاقات العمل الفردية . والسؤال الذي يطرح بعد ذلك هو من المخدم ومن هو الذي ينطبق عليه قانون علاقات العمل الفردية من المخدمين .

والمخدم في هذه الدعوى هو مشروع التنمية الزراعية لجنوب وغرب كردفان . وقد كان اسمه في السابق يحمل كلمتي جنوب كردفان . وبعد أن انقسمت المنطقة إلي ولايتين صار اسمه مشروع التنمية الزراعية لجنوب وغرب كردفان . وهو مشروع يجري تمويله عن طريق قرض من صندوق التنمية الأفريقي بموجب اتفاق مع حكومة السودان . راجع مستند دفاع (1) الموقع بين وزارة المالية وصندوق التنمية الأفريقي .

وإذا كانت الحكومة هي صاحبة المشـــروع الذي يموله صندوق التنمية الأفريقي فإنا لا نجد صعوبة للوصول إلي أن هذا المشروع مشروع حكومي وأن المخدم جهة حكومية .

لقد رأت المحكمة العليا أن هذا المشروع لا يتبع لوزارة الزراعة . هذا بينما جاء في المادة 12 من المستند دفاع (1) الذي أشرنا إليه أن وزارة الزراعة الإتحادية هي المنوط بها المسئولية الكاملة لتنفيذ المشروع . وعلي ذلك فأنا نري أن المحكمة العليا لم تصل للقرار الصحيح عندما نفت تبعية المشروع لوزارة الزراعة وبالتالي نفت عنه الصفة الحكومية .

وإذا كانت إجابتنا علي الشق الأول من السؤال أن المخدم هو حكومة السودان ممثلة في مشروع التنمية الزراعية لجنوب وغرب كردفان فعلينا أن ننظر إلي صلة ذلك بقانون علاقات العمل الفردية .

استندت المحكمة العليا إلى المادة 4(ب) من قانون علاقات العمل الفردية لتأييد حكم المحكمة الجزئية ، واعتبرت أن المدعي عليها ليست جهة حكومية . ذلك أن المادة 4(ب) تستثني الجهات الحكومية من تطبيق قانون علاقات العمل الفردية . ولكن هل ذلك الرأي صحيح ؟ هل تستثني المادة 4 (ب) العاملين بالحكومة والمؤسسات العامة ، علي وجه الإطلاق ، من تطبيق  قانون علاقات العمل  الفردية .

الجواب في رأينا بالنفي . فالاستثناء يضم قطاعاً كبيراً من موظفي الحكومة والمؤسسات العامة ولكنه لا يشمل كل شخص يعمل في خدمة الحكومة أو المؤسسات العامة ·

ولننظر إلي المادة 4(ب) . فهي تقول :

4 -  تستثني الفئات الآتية من تطبيق أحكام هذا القانون :

( أ) ..........................

(ب) العاملون بالحكومة والمؤسسات العامة الذين تحكم شروط خدمتهم قوانين ولوائح خاصة .

والذي يوضح شروط الخدمة هو عقد العمل المبرم بين العامل وصاحب العمل . فإذا أبرم العقد تحت نصوص قانون الخدمة العامة فإن القانون الذي يحكمه هو قانون الخدمة العامة واللوائح الصادرة بموجبه . وإذا أبرم تحت قانون علاقات العمل الفردية فإن هذا القانون هو الذي يحكم النزاع بين طرفيه .

فالمرجع في كل الأحوال هو نصوص العقد المبرم بين الطرفين .

وإذا كان بالعقد محل النزاع الحالي إشارة إلى قانون الخدمة العامة ، تكون المدعية من العاملين ( الذين تحكم شروط خدمتهم قوانين ولوائح خاصة وهو قوانين ولوائح الخدمة العامة . ووفق نص المادة 4(ب) لا ينطبق عليها قانون علاقات العمل الفردية إن كان الذي يحكم شروط خدمتها هو قوانين ولوائح الخدمة العامة . ولكن الواقع هو أن العقد مع المدعية لا يذكر قوانين الخدمة العامة . وإنما يذكر الشروط الواردة في قانون علاقات العمل الفردية من أجل إنهاء العقد وذكر ضرورة الرجوع إلى مكتب العمل . بل أن عنوان العقد المبرم معها هو ( اتفاقية عمل فردي ) .

لقد أصابت المحكمة العليا عندما قررت أن القانون المنطبق هو قانون علاقات العمل الفردية . ونتفق معها في النتيجة ولكنا نختلف معها في الأسباب . فالمشروع مشروع حكومي والمخدم جهة حكومية قررت أن تتعاقد مع المدعية تحت قانون علاقات العمل الفردية وليس قانون الخدمة العامة . ولا يمنعها شئ من ذلك .  فالحكومة تستطيع أن تبرم  عقود عمل تحت قانون علاقات العمل الفردية ويكون ذلك عادة في الأعمال قصيرة الأجل  . وتستطيع أن تبرم عقود عمل تحت قوانين الخدمة العامة . وإذا أبرمت عقد عمل تحت قانون الخدمة العامة فإن قانون علاقات العمل الفردية لا ينطبق . والعكس صحيح . وحين ينطبق قانون علاقات العمل الفردية تكون محكمة العمل هي المحكمة المختصة .

في الدعوى الحالية كان العقد وفق شروط قانون علاقات العمل الفردية فيكون هذا القانون هو المنطبق ، رغم أن المخدم هو الحكومة . وقد أصابت المحاكم أدناه في تطبيق هذا القانون ونؤيدها في ذلك . بيد أنا نقرر آخر الأمر أن مشروع التنمية الزراعية لجنوب وغرب كردفان هو مشروع حكومي .

لقد بذلت  المدعي عليها قصارى جهدها لتثبت أنها مشروع حكومي وها نحن وافقناها علي ذلك بعد شرح مسهب . ولكن المدعي عليها تريد أن تبطل الدعوى لأنها لم تنذر بموجب المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية . وكنا سوف نوافقها علي ذلك إذا هي لم تعلم بالدعوى ولم تجد الفرصة لتقديم دفاعها . ولكن  المدعي عليها باشرت الدعوى منذ أول مراحلها ، فعملت علي إلغاء الحكم الغيابي ، وقدمت الدفاع علي الدعوى واستمرت فيها إلي آخر مراحل سماعها  . في هذه الحالة لا يمكن الاستجابة لمطلبها وقد مكنتها المحكمة من دفاعها وهي أوفت بحقها في الدفاع .

نري أن نؤيد حكم المحكمة العليا بتطبيق قانون علاقات العمل الفردية ، وأن نلغي قرارها بأن المدعي عليها ليست تابعة لوزارة الزراعة وأن نقرر أن مشروع التنمية الزراعية لجنوب وغرب كردفان مشروع حكومي وأن نرفض حجة المدعي عليها لشطب الدعوى تحت المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية .

 

القاضي :  محمد محمود أبو قصيصة 

القاضي :  عبيد حاج علي                      القاضي :  الطاهر أحمد الطاهر

القاضي :  تاج السر محمد حامد                 القاضي :  تاج السر بابكر سعيد

 

 

 



/ ( 1996) مجلة الاحكام القضائية السودانية – صفحة[1]